
مونودراما جيتك اليوم
جمالية العرض بين المفهوم الزماني والرصد الإيقاعي
أن يتسيد الممثل المونودرامي خشبة المسرح , ويتربع على فضاءها , وأن يسحب المشاهدين إلى عوالمه دون تكلف أو دون أن يفرض شرطه على متلقيه , هذا يعني قدرة سامية لممثل كبير.
هكذا بدا الفنان عبد الحق الزروالي كممثل في عرض ( جيتك اليوم) الذي كان فيه كاتب ومخرجا إضافة إلى التمثيل.
جيتك اليوم هو العرض الثالث من مهرجان المونودراما السادس الذي يقيمه البيت العربي للموسيقى والرسم , فقد جاء هذا العرض بعد عرضين أرهقا الجمهور شكلا ومضمونا, لكن الزروالي وكعادته وفي الغالب من عروضه لا يتعامل مع نص محدد أو رؤية محددة وجديدة , فهو الراوي دائما عن نفسه محاولا أن يعكس ذاتيته ويعممها لكنه سرعان ما يعود إلى بناه الذاتية معتمدا على الفضاء المسرحي الذي يسخر جمالياته ويتماها في عمق هذه الجماليات مع الجمهور في فضاء مزدوج , فضاء واقعي وفضاء متخيل حيث يلج الأزمنة المسرحية التي يقتطعها من الحياة ليعلن الزمن الاحتفالي , فالنظرة الجدلية - للمؤلف المخرج الممثل الزروالي - للزمن الحياتي منحت الزمن المسرحي جدارته الفائقة في حياة المتلقي فقد أراد الزروالي في عرضه جيتك اليوم أن يظهر الجدوى الحقيقية لزمن الإنسان بكونه أي الإنسان أداة من أدوات التواصل الوجداني , وقد أكد هذا العرض بأن الاحتفال بالمعنى التاريخي الزمكاني أحد أهم آليات التواصل الاجتماعي , إذ وظف الرؤى الاحتفالية كي تصل بيننا وبين ماضينا , فقد أدرك الزروالي عبر فهمه لفلسفة الإنسان بأن إحياء الماضي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الموضوعية الشعورية, والتي تمثلت بالعرض من خلال اللغة والتمثيل والغناء والاستخدام الدقيق للغرض المسرحي وقد ساهمت هذه الموضوعية التي فردها أمامنا في تنشيط ذاكرتنا .
فقد تمكن الزروالي المخرج أن يجعل الزروالي الممثل يواصل الحياة على خشبة المسرح عبر ترسيخا لا شعوريا لمعنى الحياة وفهم الوجود واستمرار هذا الوجود في مواجه شبح الموت , إذ تبدى ذلك من خلال ما رئينا من هواجس مقيتة صعدت بنا إلى عوالم مغرقة في الترجيديا متكأ على الحركة الجدلية للزمن الذي ولج به الزروالي المؤلف, وهذا ما يجعلني أتأمل هذا العرض وأقرأه قراءة مختلفة عما سبق من عروض المهرجان الهزيلة , إذ جعل الزروالي الزمن بشكليه الواقعي والمتخيل يتضافر ويرتبط عبر إيقاع العرض المدروس والمتواكب مع الزمن مما جعل الزروالي أن يظهر لنا هذا التواتر الإيقاعي كواحد من أهم قواعد الأداء , فقد تبدى ذلك من خلال التعاقب المطرد لأزمات عنيفة وقوية للشخصية , وحالات أخرى ضعيفة لذات الشخصية وكان الوزن الإيقاعي ذا صيغة آلية جعلت العرض يندرج ضمن إبداع جمالي , إذ اعتبر المخرج أن الإيقاع أحد أشكال الطاقة التي امتزجت في عناصر العرض والتي تمظهرت في حالات التوتر الخيالي وعلاقات تفاعلية ومجازية أخرى عاشتها عناصر العرض التي تمحورت ضمن عناصر صوتية\ سمعية و خطية\ بصرية إذ جاءت ضمن حالة تنافر واختلاف وتناقض , وقد اندمج العرض عبر السعي الإبداعي المدروس بشكل علمي للالتئام تلك العناصر وانسجامها ضمن وحدة نصية مشهدية فكرية, حيث وضح المضمون وتجسد على الخشبة من خلال العملية الجدلية من تناقض ووحدة , أي تناقض الشكل والمضمون ووحدتهما , فالإيقاع جاء بهذا العرض شكلا بمفهوم واضح والذي حمل المضمون الذي لا نهاية لثرائه لأنه دخل العمق الإنساني بكل موجوداته التي تمثل نبض الكون.
إذن جاء الإيقاع في هذا العرض ضمن علاقة نشأت من وجود الإنسان في الزمن والذي جسده الزروالي الممثل الذي أظهر قدرة فائقة على تنظيم نشاطه الحيوي من خلال عملية الأداء , وضبط التنظيم الإيقاعي وتسخيره تسخيرا ملائما لما يريد أن يقوله العرض, لأن الزروالي المخرج يعتبر الإيقاع بوصفه مظهرا أي حاملا للحركة في الوقت الذي هو فيه نتيجتها المباشرة , إذ يكفي أن تحدث الحركة حتى يتولد الإيقاع ويندرج ذلك على اللغة والبنية الجمالية أيضا, إذ جاء الإيقاع اللغوي والمختلف من لغة إلى أخرى مظهرا هذا الاختلاف ومبينا بأن لكل لغة إيقاعها – وأقصد هنا اللغة المسرحية لا اللغة الكلامية – . وكذلك جاء الإيقاع الجمالي والذي تبدى مختلفا حسب اختلاف التعبير لدى الزروالي الكاتب والممثل معا , وقد تمظهر هذا الاختلاف عبر كل خطاب فردي على حدة , مما جعل لكل شخصية من الشخصيات التي أداها ضمن بنى مونودرامية دقيقة ذات استقلالية إيقاعية تترابط مع الشخصيات الأخرى في بنية جمالية جعلت من عرض جيتك اليوم عرضا مسرحيا مونودراميا بامتياز .
Masrah111@yahoo.com
Lorka1111@hotmail.com