
في حديقة الحيوان الذي صنعها الفنان الكبير حسن عكلا صناعة لا تقتصر على إظهار تفاهة الحياة وعبثية الوجود فحسب, بل أنه أوغل بعيدا في النفس البشرية وعمل على تشريحها وإظهار العواطف والميول والرغائب التي تستقر في أعماقها , بل وزاد على ذلك حين كسر قشرة السلوك الإنساني وتغلغل إلى ما وراء التصرفات الميكانيكية للإنسان , والكشف الصارخ والواضح عن مفردات المجتمع الاستهلاكي الذي يطحن البنى البشرية دون ميل إلى الرحمة, أو التفكير بها.
صورة قاسية ومؤلمة تبدت في مسرحية حديقة الحيوان التي كتبها إدوار إلبي وأعدها وأخرجها ومثلها الفنان حسن عكلا ضمن مهرجان المونودراما السادس الذي يقمه البيت العربي للموسيقى والرسم .
جاءت مونودراما حديقة الحيوان دمج معرفي بين العبث والقسوة , إذ لم يقف العرض عند حدود العمليات العقلية الشعورية, أو عند حدود المنطق المعروف والشائع, بل اخترق الحجب ليصل إلى متاهات وأعماق أعماق النفس البشرية بكل معطياتها, وخاصة حين كرس عزلة الفرد وأظهر ماهيات المجتمع الحديث عارضا من خلاله كممثل مبدع العجز القاسي للإنسان عن التواصل , وإبداء السعي الكبير لإتمام هذا التواصل, لكن المسحوق في دواخل النفس البشرية بقي حبيس القفص الذي أشار إليه حسن عكلا المخرج والسينوغرافي على أن القفص الكبير والذي تجاوز حدود المسرح والمدينة والكوكب كان رمزا لما وضعه المجتمع من أعراف وقيود تجعل الذات البشرية تتقوقع وتعجز عن الاتصال اتصالا مثمرا مع الآخرين. وقد كشف المخرج هذا العجز من خلال توظيف دقيق للنظريات المسرحية , إذ كشف من خلال عكلا الممثل عن حقيقة لا يمكن نكرانها مهما غالبنا وكابرنا , وهي أن معظم تصرفات الإنسان التي نراها لا تتطابق مع ميوله ورغائبه , لأنه استطاع أن ينقل البنى الإنسانية إلى من ساحة الشعور إلى ساحة اللاشعور, من غير أن يهمل الشعور إهمالا كليا , إذ كشف العرض بأن ما يكمن بدواخل النفس البشرية من مناطق شهوية تدفعه لتحقيق الرغائب وتفضح الميل وفق مبدأ اللبيدو, وهذا منظور فرويدي, ثم دفع المخرج شخصيته التي يحركها على المسرح نحو كشف ساطع للذات (الأنا) من خلال الموضوع (الغير) موضحا المواجه العنيفة والقاسية بين الذات والموضوع والسعي الحثيث لخلاص الذات عبر الاختيار الذي يبعث الشعور بالقلق , لأن القلق صلب النفس البشرية وينبوع العمليات النفسية, وهذا منطق وجودي, وقد تبدى هذا الرفض من خلال الكشف عن عفونة الحياة البرجوازية وفضح علاقات هذه الطبقة القائمة على النفاق والغش والخداع والاستغلال, وهذا منطق ماركسي. كما أظهر التحولات العميقة عندما خلق المخرج عكلا عالما انعدمت فيه الروحانيات عبر التحولات البشرية نحو نقائضها ليظهر عالم آخر أكثر تماسكا من عالم البشر وهذا يعني أن المخرج وعى وعيا عميقا لماهية مسرح القسوة عند أرتو.
وبذلك يوضح لنا أن المخرج وظف بحرفية تدل على ثقافة واسعة , البنى الفرويدية بكشف الرغبات والتصريح بها, كما بين لا معقولية الحياة في اعتماده على الوجودية في طرح التساؤلات الإنسانية التي تقلق حياته, مع تبني واقعية النظرية الماركسية من خلال فضح الاستعباد لعالم الإنسان , كما وضح الهروب بقسوة أرتو نحو عوالم أكثر رحمة من البشر.
كل ذلك تبدى من خلال عكلا الممثل الذي تحكم بحركته المتزامنة مع الحس الذي كان يقبض عليه بعنف أحيانا, ويطلقه في أغلب الأحايين مستخدما أدواته لتحقيق عمله الإبداعي من خلال فهمه لنسبية القبض والإطلاق , مجيرا جسده وصوته عبر مجموعة الأحاسيس التي مرت بها الشخصية التي يؤديها أمامنا على ضبط وتنظيم تلك الأدوات عبر الإحساسات والإدراكات الذهنية بحيث تمكن من استدعائها باللحظة التي يريدها كمخرج وممثل في آن مستخدما ماهية الاستبطان من خلال العملية التي تشاهد بها الذات ما يجري في الذهن من إحساسات بقصد وصفها لا تأويلها , عبر عملية استرجاع الذاكرة دون تجريد حيث وظف هذا الاسترجاع توظيفا معرفيا حين صحبه بشحن وجدانية , لأن الاستبطان هو عملية ملاحظة المرء للجانب الداخلي لحياته العقلية الخاصة, وهذه العملية سمحت للممثل عكلا بتوجيه مظاهر الشخصية عبر تجاربها الانفعالية من خلال الأفكار والأحاسيس والبنى النفسية لتقلبات الشخصية.
وقد وظف عكلا جسده توظيفا علميا جماليا في آن واحد حيث استخدم الأساليب الحركية ضمن مجموعة التقنيات الحركية المجازية , إلى جانب الحركات والدلالات والإشارات اللغوية والتي لا تهدف إلى تحقيق معنى مباشر بقدر ما تشير إلى معنى , أو معان أخرى باطنة وأكثر عمقا من خلال تسخير جسده كمجموعة من المفردات اللغوية الخاصة معتمدا على الاستخدام المدروس للجسد ككل في حدود التوازن والتناسق من أجل تحقيق نوع من التعبير البليغ والجمالي , ومن ثم تحقيق هارموني متكامل مستندا إلى قواعد التصوير الداخلي , معتدا اعتمادا معرفيا على قاعدة التناظر القائمة على أساس اتخاذ جسده كممثل وحدة قياس كلية , بوصف الجسد عند الممثل النموذج الأكثر اكتمالا للجمال , والقيم الإنسانية عموما.
وبذلك يكون الفنان حسن عكلا قد قدم عملا مونودراميا معتمدا على قواعد علمية مدروسة , حفظت ماء الوجه لهذا المهرجان الذي خلا حقيقية من العروض الجيدة باستثناء عرض الفنان عبد الحق الزروالي إضافة إلى هذا العرض المميز بإبداع الفنان حسن عكلا هذا الشاب المتنكر بقناع الستين, والمتجدد رغم انقطاعه عن العمل المسرحي .
Masrah111@yahoo.com
Lorka1111@hotmail.com